د. حسن حنفي :نحن بدايه التاريخ ولسنا نهايته
المواجهه بدات في دربان قبل سبتمبر
الغرب هو الذي يصطدم بالشرق
حوار الحضارات لم يزدهر الا في الاندلس
اجري الحديث: محمد حبوشه ـ مهدي مصطفي ـ الهامي المليجي
كان صمويل هنتنجتون متنبيئ وليس مفكرا, وكانه نوسترا ادموس, عراف القرون الوسطي, فلم تكد نيران برجي مركز التجاره العالمي, ومبني البنتاجون تخمد, حتي كان المتهم الرئيسي فيما حدث هو الاسلام والمسلمون, فكان التفتيش اولا علي اسمائ الركاب العرب علي الطائرات الاربع المخطوفه, وفي الزحام اختفت اسمائ بقيه الركاب, ولا احد سال نفسه من كان علي الطائرات من غير العرب, وحتي بعد القائمه الاولي, واكتشاف وفاه احدهم قبل عامين, وظهور احيائ في اماكن اخري من العالم, لم يكونوا موجودين لحظه الانفجار, الا ان هذا لم يمنع من تاكيد التهمه علي الاسلام والمسلمين بقياده اسامه بن لادن وتنظيم القاعده, فكيف يخطيئ هنتنجتون في تحليله بان الاسلام هو العدو, وكيف لا يدرك فرنسيس فوكوياما انها نهايه التاريخ وانتصار الغرب علي كل الاعدائ السابقين, الشيوعيين والقوميين واللاحقين الاسلام والبوذيه والهندوسيه, وكل عقيده لها بعض الايمان, فالصحيح ان مفكري امريكا لا يقعون في الخطا كابنائ العالم الثالث.
والان وقع الصدام بين الغرب والشرق, وبدا المحللون الغربيون ـ بعد ان مهدت السينما ووسائل الاعلام يحرضون ضد الشرق والاسلام وثقافته الارهابيه واندفع الشارع ضد كل ما هو عربي واسلامي في العواصم الغربيه في فعل يذكرنا بافعال ما حدث عقب خروج العرب من الاندلس, وابان الحروب الصليبيه, والاستعمار الاوروبي الحديث, لكن المتامل في الاحداث والتسارع في وتيره الحرب يدرك ان الصدام قادم, ونهايته غير معروفه.
فكان علينا ان نذهب الي واحد من هولائ المفكرين الذين اتخذوا من الاسلام طريقا لافكاره, متمثلا خطا جمال الدين الافغاني وعلال الفاسي, وايه الله الخميني, وسيد قطب, ومحمد خاتمي من ناحيه, ومن ناحيه ثانيه درس في الغرب وعلم فلسفته وافكاره, تحاور معه وتصادم ايضا, ولم ينس كاتبا او فيلسوفا غربيا الا ونهل من افكاره, لكنه ظل يري ان لحظه حوار الحضارات التي حدثت ابان وجود المسلمين والعرب في الاندلس هي اللحظه الوحيده التي قادت العالم الي التحاور بدلا من التصادم, اتفقنا معه في كثير, واختلفنا بطبيعه الحال, لكن في كل الاحوال ظل حسن حنفي وفيا لما يعتقد, فلا هو المتلون مع التيارات او الافكار المختلفه, فلم يكن ماركسيا وارتد او ناصريا ونكص, او قوميا واصبح ليبراليا, بل ظل يمثل يسار الاسلام او ما يسميه الاسلام الثوري المهمش, وعندما ذهبنا اليه نساله ماذا تعني لحظه الصدام هذه بين الشرق والغرب, وهو الذي يمثل الشرق بكل معني الكلمه,, فاجانا بانه كان ضد التنوير الحكومي طول السنوات الماضيه, وانه يدعو الي جبهه وطنيه للتحرر الوطني, وان نقول ان الغرب هو الذي يزكي الارهاب ولا احد غيره.
وقد دارت عجله الحرب, ونحن نواجه حسن حنفي, في لحظه فريده من تاريخ العالم, فستترك حتما المواجهه الحاليه بين الشرق والغرب اثرها العميق علي عالم ما بعد11 سبتمبر, وفي الجزئ الاول من هذا الحوار, نبحر مع حنفي في الماضي, نبين مواطن الصدام بين الغرب والشرق ولماذا اصبح عنيفا, وما السبيل الي حوار الحضارات بدلا من الصدام, الذي قد يتحول الي كارثه انسانيه.
** ما الذي حدث في العالم فهو من القريه الكونيه الواحده, الي صدام الحضارات, فثمه نظره الي المسلمين من الغرب تخلط مفاهيم الارهاب بالاسلام, وهي نظره اثرت في تنامي العدائ بيننا وبين الغرب, كيف وصلنا الي هذه النقطه بيننا وبين الاخر؟
اذا نظرنا الي البحر المتوسط, سنجد عبر التاريخ نحن والاخر, الاسلام والغرب نتقاسم ضفتي المتوسط, فالضفه الجنوبيه للمتوسط, المغرب العربي, اما الشماليه فجنوب اوروبا, وطوال التاريخ كان هناك صراع بين الضفتين, فاذا قوي الشمال احتل الجنوب مثلما فعلت ذلك الامبراطوريه الرومانيه, واذا اشتد الجنوب احتل الشمال علي يد هانيبال, الذي ضم روما الي قرطاجنه, وهزم اوروبا, والصراع بين روما وقرطاجنه كان من اهم الصراعات بين الضفتين قبل الاسلام, وهناك الصراع بين الغرب والشرق, الذي انطلق من البحر الابيض ايضا حول فلسطين واحتلال سواحل الشام, وانتقال اوروبا الي الشرق والحروب الصليبيه, ثم فتح العرب الاندلس, وانتقال العرب والمسلمين غربا.
اذن في البحر المتوسط, كونه بحيره مغلقه علي سواحلها, حضارتان وبالتالي كان هناك نوع من المبارزه بين هاتين الحضارتين, منذ بدايه باكسا رومانا السلام الروماني, او الحلف الروماني حتي تصور عبدالرحمن الداخل( صقر قريش) لهذه المنطقه, فقد كان الداخل بعد ان ترك دمشق وجائ الي مصر والمغرب العربي, ثم فتح الاندلس يريد ان يعود الي دمشق, بعد ان طرده الامويون, عبر اوروبا من الشمال, ومن ثم كان حلمه ان يتحول البحر المتوسط الي بحيره عربيه.
فالصراع او الصدام كان نتيجه مخزون تاريخي منذ ظهور الاسلام, واسنونف بالحروب الصليبيه, فالاسلام هو الذي استولي علي الامبراطوريه الرومانيه, ومستعمراتها سوائ في جنوب اوروبا ام الشمال الافريقي, هذا الارث هو الذي خلف النضال والتنافس بين الحضارات التي وجدت علي ضفتي المتوسط, ولم يكن هذا التنافس بالضروره بين الحضاره الاسلاميه والحضاره الغربيه, بل كان داخل الحضاره الغربيه نفسها, فمثلما كانت هناك مسيحيه مركزيه رومانيه, تفسير الامبراطوريه الرومانيه بالمسيحيه, كانت هناك مسيحيه وطنيه في شمال افريقيا, فـ دوناتوس قام في المغرب العربي واراد ان يكون مسيحيا, وليس رومانيا, من خلال مسيحيه وطنيه مستقله, وهناك القديس اوغسطين في عنابه في شمال افريقيا ايضا, واصبح مفكر الدوله المركزيه في روما, واعني انه باستمرار كانت هناك حركات وطنيه مستقله في الجنوب عن الشمال, وترفض الانضوائ تحت لوائه, وحدث ذلك في الغرب الحديث بعد الحروب الصليبيه, في عصر الاستعمار واحتلت الضفه الشماليه الجنوبيه, وحركات التحرر في المغرب العربي والعالم الاسلامي كانت من اجل الاستقلال.
وعندما اركز علي العالم العربي في المغرب, انما اعني انه رمز للعالم الاسلامي, فاستعمار انجلترا للهند جائ عن طريق المتوسط, وكذلك استعمار جنوب افريقيا, واذا كان هناك قطب ثان يستطيع ان يقف في مواجهه الغرب سيكون من العالم الاسلامي, خاصه بعد نهايه عصر الاستقطاب, وصعود فلسفات امثال صمويل هنتنجتون, ولن تاتي المواجهه من مكان اخر, فامريكا اللاتينيه مشغوله بالمخدرات والفقر, والقهر وروح تشي جيفارا لم تعد موجوده وخفت صوت لاهوت التحرير, اما افريقيا تصحرت كما انها فقيره ومديونه, ومليئه بامراض الايدز, وغاب الزعمائ التاريخيون سيلتوري, ونكروما وغيرهما, اذن لم يعد حي الا الحركات الاسلاميه, التي استبعدت في اثنائ حركات التحرر الوطني, وبعد ثورات الجيوش العربيه في سوريا1949, ومصر1952, وغياب هذه الحركات ايضا ابان المد الناصري ودخولها الي السجون, وبعد غياب الناصريه بعد67, بثلاثه اعوام خرجت الحركه الاسلاميه مره اخري, لتثار من القوميه ثم استونفت الحركه الوطنيه التي خرج منها جمال الدين الافغاني وعلال الفاسي بعد ان تحملت القوميه العربيه وحدها نكسه1967, وارادت الحركه الاسلاميه ان تقدم مشروعا طموحا يفوق مشروع القوميه العربيه في ازاله اثار العدوان في1967 و1948, وتريد ان توحد الامه, ومواجهه الاستعمار الصهيوني الاستيطاني في فلسطين, وتحارب في كشمير وافغانستان وفي جنوب افريقيا وفي البوسنه والهرسك, اي انه اصبح هناك نوع من الامميه الاسلاميه في الوطن العربي والعالم الاسلامي في مواجهه الغرب, بعد انفراد امريكا بمقادير السياسه والاقتصاد في العالم, فيما يسمي بـ العولمه ومجموعه الثماني الصناعيه والجات, ومنظمه التجاره العالميه, كل هذا جعل العالم الاسلامي الذي يوجد به نوع من الحيويه والتساولات يدرك انه هو المرشح للوقوف امام هذا الطغيان والاستكبار والشيطان الاكبر, حتي يستطيع العالم ان يكون صحيا, وهذا لا يكون بهيمنه قوه وحيده علي العالم, لان ذلك سيودي الي حوادث, مثل تلك التي حدثت في واشنطن ونيويورك في سبتمبر( ايلول) الماضي.
واساليب الابداع في المقاومه لا حدود لها, فامريكا كانت تنتظر العدو من الفضائ, ومن الصواريخ العابره للقارات, فاتاها من حيث لا تدري, كما قيل في هزيمه67, انتظرناهم من الغرب, فاتونا من الشرق, والانسان عندما يشعر بانه قوي ينسي مواطن ضعفه, ولكن الغرب, طوال تاريخه, لديه عنصريه اللون, اللون الابيض, وانه مركز الحضاره والحداثه, ويمثل العصور الحديثه, فهو فخور بعقلانيته وعلومه الطبيعيه, وحقوقه المدنيه وثورته الصناعيه, وهو بالطبع استفاد من الثروات الطبيعيه والاسواق الموجوده خارج اوروبا, وهذا ما جعل الاوروبيين يعتقدون انهم متفوقون وعظمائ واصبح لون البشره مكونا رئيسيا في الوجدان الاوروبي, مما صاغ فكره العنصريه لدي اوروبا, وسبب ذلك نوعا من التوتر بين اوروبا وغيرها.
** اذا كانت هذه الحضاره عنصريه كما تري, لماذا تتهم الاسلام بالعدوانيه والارهاب, فمنذ بدايه الانفجار في امريكا كان الاتهام للمسلمين وليس لغيرهم, كيف تفسر هذا الامر؟
هذا الاتهام تم ايضا بعد انفجار اوكلاهوما في عام1995, لكن حركات الجريمه المنظمه موجوده في كل حضاره, وداخل الولايات المتحده نفسها, فهناك تيار يرفض الحكومه الفيدراليه, ويري ان الولايات يجب ان تكون مستقله عن بعضها البعض, والقانون الامريكي يسمح بالحصول علي السلاح, ومن يدري قد يكون هناك تيار صهيوني داخل امريكا يضحي بسته الاف امريكي حتي تتدخل امريكا ضد ما يسمي بالارهاب الاسلامي والقضائ علي باكستان وافغانستان والافغان العرب, وتحت هذا الغطائ تسمح لشارون بان يقضي علي ما تبقي من فلسطين, وتجعل الاسلام وريثا للشيوعيه باعتباره عدوا تخيليا لتصبح اسرائيل في النهايه هي الكاسبه, والعرب وفلسطين هما الخاسران, وهذا احد الاحتمالات, ومن يدري, فالمانيا اعلنت ان كل الادله التي جمعت فيها التي تري ان بن لادن هو صاحب الانفجار اكدت علي ان هذه الادله ضعيفه, وامريكا لم تقدم حتي الان دليلا, وكل ما قدم من اوراق ورسائل لا يصمد كدليل امام اي محكمه عادله.
لكن امريكا تشعر بان الاسلام ليس الخطر فقط, بل يمثل التحدي, فمن اين ياتي نقد الغرب, ففي السابق في الهند ومصر ايام نهرو وعبدالناصر, كان هناك ما يسمي بالفكر الوطني, خمد الان, لكنه مازال في العالم الاسلامي, فثمه تساولات عن اليهويه والاخر والاستقلال والتبعيه والماضي والحاضر والتجديد والاصاله, وهو مايدل علي حيويه شديده, وبالتالي الذي يقاوم في فلسطين هم المسلمون وكذلك في جنوب افريقيا ووسط اسيا, كذلك اوروبا الشرقيه والفلبين وحتي داخل امريكا نفسها, الذي يقاوم هم المسلمون السود, والامريكيون يدركون بعد الثوره الاسلاميه في ايران والصحوه الاسلاميه في كل مكان, انهم يشاهدون قمه جبل الجليد فقط وما خفي منه كان اعظم, وان الصوره الكبيره للولايات المتحده اهتزت بعد حادثه المدمره كول, والسفارتين في افريقيا واحداث واشنطن ونيويورك, وضرب مراكز القوه والدفاع فيها, وادركت امريكا ان الذي لديه احساس بالتميز والمنافسه والمغايره هو العالم الاسلامي, اما العالم العربي فقد قام بذلك في الخمسينيات, ابان عبدالناصر, ومن هنا تم التركيز علي العالم العربي, ثم يوغسلافيا, الان الاسلام العربي بدا يتواري ويدخل في التحالف ضد طالبان ولم يبق الا الاسلام الاسيوي ناهضا, فهو يمثل70% من المسلمين.
وربما ارادت امريكا ان تنتهز الفرصه في استراتيجيه ابعد, وتضع قدمها في اواسط اسيا, حتي تحاصر العراق من الشرق وتضرب الثوره الاسلاميه في ايران وتقضي علي اكبر دوله اسلاميه في اندونيسيا بعد تقلص دور النمور الاسيويه, والقضائ علي الثوره الاسلاميه في جنوب الفلبين, وكذلك القضائ علي نهضه ماليزيا الصناعيه والسيطره علي الجمهوريات الاسلاميه في الاتحاد السوفيتي السابق, حيث ان هذه الدول لديها امكانات مستقبليه ومبهره, ومحاصره تركيا وعزل العالم العربي عن امتداده الاسيوي, بصرف النظر عما حدث في سبتمبر( ايلول) الماضي في امريكا, واسامه بن لادن, فهي مازالت تلعب بالرغم من الهزيمه الحاليه لها, دور الدوله الكبيره علي مستوي الصوره الذهنيه, فاوروبا وامريكا تقفزان علي اسيا طبقا للشعار النازي القديم الاندفاع نحو الشرق.
** انت تركز منذ البدايه من خلال ضفتي المتوسط علي ان الصراع او الصدام حتمي بين الغرب والاسلام, هل هو بالفعل حتمي؟ هذا من ناحيه, ومن ناحيه اخري انت قللت من معارضه التيارات الاخري للغرب مثل الجماعات اليساريه, والقوميه الناصريه واكدت فقط علي التيار الاسلامي وثوريته ضد الغرب, الا يوكد هذا نظريه صمويل هانتنجتون في فراده الثقافه الاوروبيه وان الاسلام هو العدو؟
من يرصد مسار وتاريخ الابيض المتوسط منذ العصر اليوناني ـ الروماني حتي العصر الحديث يجد ان هناك مبارزه بين الشمال والجنوب ويعرف لماذا فشل الحوار العربي ـ الاوروبي, فاوروبا تريد الاقتصاد, ونحن نريد السياسه والاستقلال وفلسطين, وهناك لغتان مختلفان, فالصناعه والعقل والتكنولوجيا في الشمال, لكن الاسواق والمواد الاوليه في الجنوب, من ياخذ من من؟ اوروبا تريد المواد الخام من افريقيا ونحن نريد الصناعه والعلم الحديث من الشمال, اذن تسود بيننا لغه المصالح, وخذ الاسكندر الاكبر, احد الرموز جائ الي مصر وذهب الي الهند واسيا, وهناك الصراع بين الفرس والروم, اي الشرق والغرب, وتحدث القران عن ذلك.
ومن يرصد تاريخ الابيض المتوسط, لا يقول انه صراع حتمي, لكن الذي حدث هو ان هناك سلسله من المبارزات علي ضفتي المتوسط, بين الشرق والغرب, باستثنائ فتره واحده التي حدث فيها ان ازدهرت الحضاره الاسلاميه وتم فتح الاندلس, وكانت هنك مراسلات بين هارون الرشيد وشارلمان, وكان الاسلام قد انتشر حول البحر الابيض المتوسط, وجنوب فرنسا وتركيا ووسط اسيا, فلم يكن الاسلام يري مانعا في انتشاره في اوروبا, وبالتالي بدا في الاندلس العرب والمسلمون والمسيحيون واليهود يعيشون ازهي فتره في حياتهم, في غرناطه وقرطبه واشبيليه وكان الامبراطور فريدريك يتكلم بطلاقه اللغه العربيه, لانها لغه العلم والثقافه في طليطله, وقد ظلوا مائتي عام يترجمون الثقافه العربيه الي اللاتينيه مباشره او عن طريق العبريه, وقد قام بذلك اسقف ريموندو, حتي الثقافه اليهوديه ازدهرت في الاندلس ونسخوها بالعربيه, لكن بحروف عبريه وتلك هي الفتره الوحيده التي حدث فيها التقائ الحضارات والاحساس بانسانيه واحده, وفكر واحد, فعندما اكتشف مخطوط ينبوع الحياه, الذي يصف علاقه الان