مغامرة صحفية علي الحدود السورية.. وسط مزارع الحشيش اللبنانية
كتبها------------------------- إلهامي المليجي -------------- ، في 23 ديسمبر 2007 الساعة: 12:19 م
السبت 15 / 12 / 2007 مجلة الاهرام العربي
البقاع اللبناني ـ إلهامي المليجي
’مهنة البحث عن المتاعب’ مقولة يرددها الكثيرون من العاملين في المجالين الصحفي والإعلامي, وفي مقولة أخري’ الصحافة مهنة البحث عن الحقيقة مهما واجهها من متاعب’, مقولتان برزتا بقوة أمامي بعدما قرأت أخيرا تقارير تشير إلي ازدياد حجم المتعاطين للمخدرات في بلادنا العربية.
شباب مهددون بالخطر ممالزم دق ناقوس الخطر, فكانت المغامرة الصحفية, حيث تصادف أن التقيت أشخاصا بصحبة أصدقاء, وطرحت قضية زراعة المخدرات في لبنان, فلمعت في رأسي فكرة تحقيق ميداني في منطقة زراعته, وأعطاني أحدهم هاتفا لشخص يعمل في زراعة القنب الهندي الذي يستخرج منه الحشيش, اتصلت علي الفور بذلك الشخص فأبدي ترحيبه باستقبالي في الهرمل ليصحبني إلي مزارع القنب الهندي, وبعد الانتهاء من مكالمته اكتشفت أن تأشيرة الدخول إلي لبنان بالنسبة لي قد انتهت وعلي أن أقوم باستخراج تأشيرة جديدة, ولكن العطلة تحول دون ذلك, وأنا اتفقت علي أن أكون في الهرمل أثناء العطلة, إذن فلتكتمل المغامرة, وأحاول الدخول إلي لبنان عبر وسائل التهريب
ووجهت بتحذيرات عاصفة وغاضبة من الأصدقاء, ولكنهم أبدا لن يثنوني عما انتويت عليه, واسترجعت كيف أني ذهبت إلي بيروت في خضم الحرب الأهليه في النصف الثاني من سبعينيات القرن الماضي بالرغم من المعارضة الجماعية من الأهل والأصدقاء.
وعادت لي روح الشاب العشريني القادر علي المغامرة التي بدأت منذ اللحظة, فكانت رحلة البحث عن مهربين كي يسهلوا لي الدخول إلي لبنان, ووجدته عالما مليئا بالغموض, وبالطبع كان ضروريا أن أخفي عنهم طبيعة عملي الصحفية, ولكني فقط بدوت له شخصا محبا للاستطلاع وعليه طلبت أن يعرض علي طريقة إدخالي إلي الأراضي اللبنانية, ولن أساومه في القيمة المادية التي يطلبها, مقابل أن يخبرني بالطريق الذي سوف أسلكه, وإذا كان من خيارات فليطرحها, واستقر الرأي علي ضرورة أن أخوض تلك التجربة الصعبة والمليئة بالأخطار, فكان القرار.
علي حدود تمتد لأكثر من320 كم معظمها جبلية وعرة مليئة بالصخور والأحراش, وتداخل واسع بين قري, وبشر, قد لا تستطيع التمييز بين أفرادها, ليس بسبب خطابات وشعارات, بل لأنهم يعيشون ضمن شريط حدودي, بين بلدين شقيقين أو جارين, ينتمون إلي بلداتهم الحدودية, أكثر مما ينتمون إلي واحد من طرفي الحدود. فإن التهريب عبر الحدود يبدو أمرا ممكنا,, وخصوصا مع عدم وجود الإمكانيات التقنية والبشرية لضبط مثل هذه الحدود.
ظاهرة التهريب بين لبنان وسوريا ليست ظاهرة جديدة, فقد بدأت منذ عهد الانتداب الفرنسي وبلغت ذروتها أثناء الحرب الأهلية اللبنانية, وانهيار الدولة وما تبعه من سيطرة للميليشيات وقوي الأمر الواقع علي معظم المعابر والمداخل الحدودية.
للعبور علي الحدود السورية اللبنانية ثلاث نقاط رسمية, شمالية, العريضة, ووسطي, الدبوسية, وجنوبية, الجديدة, وهي الأقرب إلي العاصمة دمشق, وحولها قري وضيع عديدة, تتوزع علي سفوح وقمم جبال ومرتفعات, قاسية الصخور, كثيفة الأشجار, ما يصعب من إمكانية عبورها إلا لمن تمرسوا..
يقول دليلي للمغامرة’ في الماضي تعددت معابر التهريب بين سوريا ولبنان, و تم استحداث معابر جديدة أكثر تطورا وأكثر سهولة. وإذا كانت وسائل نقل البضائع المهربة إلي البلدين تقتصر في الماضي علي الدواب والبغال والحمير, فإنها وفي زمن تطور النقل والمواصلات أصبحت تعتمد علي الشاحنات وسيارات الدفع الرباعي.
أخيرا, علت الأصوات محذرة من معابر التهريب الحدودية بين لبنان وسوريا, داعية إلي ضبط الحدود, وتشديد المراقبة عليها, حيث تتهم الولايات المتحدة وإسرائيل سوريا بتهريب الأسلحة إلي’ حزب الله’ الذي تصدي للعدوان الإسرائيلي علي لبنان وجاء القرار الأممي رقم1701 الذي ينص علي حظر دخول الأسلحة إلي لبنان دون موافقة الحكومة اللبنانية.
واتفقت الدول الأوروبية علي إرسال بعثة إلي سوريا ولبنان تتولي جمع المعلومات حول تفاصيل هذه العملية, تحت إشراف المبعوث الأوروبي للشرق الأوسط, ورفضت سوريا بشكل قاطع نشر أي قوات دولية علي حدودها مع لبنان مهددة بإغلاق الحدود في حال نشر مثل هذه القوات التي اقترحتها إسرائيل والولايات المتحدة.
ونفت سوريا المزاعم عن تهريب أسلحة, وهو ما أكده الجيش اللبناني الذي يسيطر علي الحدود.
ألمانيا كانت’ اقترحت علي دمشق خلال مباحثات أجراها وزير خارجيتها فرانك شتاينماير مع الوزير المعلم إرسال خبراء ألمان ومعدات للمساهمة في ضبط الحدود مع لبنان ومنع التهريب, عارضا استقبال خبراء سوريين للتدريب علي المعدات والأجهزة التي ستستخدم للرقابة علي الحدود, وهو ما كانت توصلت إليه إيطاليا مع سوريا في أكتوبر من العام الماضي, حيث أعلن رئيس الحكومة رومانو برودي بعد زيارته لدمشق حصوله علي موافقة دمشق علي نشر مراقبين أوروبيين علي الحدود الشمالية مع لبنان. حيث إنها الأكثر صعوبة والأقل مراقبة الأمر الذي أكده دليلي الذي أوضح: أن الحدود اللبنانية ـ السورية في جرود عرسال لا يستطيع أحد ضبطها ومنع عمليات التهريب ومتل ما شفت.. ما حدا بيقدر يوصل لهون غير المهربين.
من أودية الفرا, والشحرور, والمير علي, وقرمان, ونور الدين, والشاحوط, وحورتا, والخشن وغيرها من مناطق جردية وعرة شرق عرسال التي تريد المحكمة الدولية حسب شعار كتب علي حائط عند مدخلها الغربي, وصولا إلي وادي مرطبية ولا وجود لكل ما يسمي بـالإجراءات الأمنية اللبنانية في هذه الجرود الوعرة جدا. فخلال الجولة الميدانية في المنطقة لم يلحظ أي وجود لدوريات لبنانية أو سورية, حيث المنطقة مفتوحة لكل أنواع العبور غير الشرعي. فالشاحنات الصغيرة تجتاز الحدود وكذا رعاة الماشية والمزارعين.
مشهد الحدود في أقاصي شمال الحدود في عرسال ورأس بعلبك لا يشبه المشهد في أقاصي جنوب ـ شرق الحدود في دير العشاير وحلوة ووادي الأسود منطقة راشيا فالإجراءات الأمنية هناك مشددة للغاية, ولا برغشه ناموسة تستطيع اجتياز الحدود, حسب تعبير دليلنا, وتظهر إجراءات الجيش مدي دقة مراقبة خط دير العشاير ـ حلوة ـ وادي الأسود, وعمليات التهريب انتفت نهائيا.
ويشير مصدرنا إلي أن الحال لم يعد كما كان, ففي السنوات الأخيرة تصاعد ضغط الجمارك, كما ازداد الانفراج في السوق حيث توجد السلع التي كانت ممنوعة في السابق, وإجراءات المكافحة في تزايد, ما أضعف سوق التهريب إلي حد كبير, وغابت الصور المعهودة لأسواق القري الحدودية.
وبسؤال دليلي عن فنون وأصول مهنة التهريب, اعتدل في جلسته وقال:
نشأنا علي هذه المهنة, وأصبحت في دمنا, وعندما تنشأ علي التهريب, لا تستطيع أن تعتزله أو تستقيل منه, لأنه يحقق ربحا كبيرا وسريعا, وهذا حال أغلب سكان القري الحدودية, مشيرا إلي أن الليل هو الأفضل للتهريب, ليس خوفا من دوريات الجمارك, بل ابتعادا عن’ الأذي’, فالمهرب لا يهاب الدورية كما لا يهاب الموت, وأوضح أن البغال والحمير إحدي الوسائل للتهريب, حيث يتم تدريب البغال والحمير لعدة أيام, حتي تحفظ الطريق تماما, ومن ثم تحمل بالبضائع في الطرف اللبناني من الحدود, وتطلق وحيدة, لتصل عبر الطريق الوعرة, إلي الطرف السوري, حيث ينتظرها الشبان, ليفرغوا حمولتها, وتطلق في اليوم التالي لتتابع مهمتها. وأشار إلي أن المهربين يستخدمون الأتان, أنثي الحمار, أكثر من الذكر, ويعتمدون علي البغال أكثر من الحمير, فأما البغال فلأنها أكثر تحملا, وأما الأتان فلأنها لا تنهق في العموم, أما الحمار فقد ينهق بشدة في لحظة يطيب له أن يستعرض فيها صوته, فينبه الدورية, ويضيع معها المحصول, وأحيانا تستخدم السيارات الكبيرة, لكن في تلك الحالة يرتب المهرب الأمر مع رجال الجمارك, ليضمن عبورا آمنا.
وأكد أن الصفقات الكبيرة تحتاج لجهد خاص, أحيانا تجد عدة مهربين يشتركون في حمل واحد, أو تجد واحدا من الكبار وراء الصفقة, أما الصغار من أبناء هذه القري, فالتهريب بالنسبة لهم بحث عن قوت يومي.
يحمل الشبان مهرباتهم عبر الحدود, ويبيعونها في بسطات تقام علي الأرصفة, أو في محال تجارية صغيرة, بعضهم ينقل بضائعه بكميات صغيرة, إلي دمشق حيث يبيعها لباعة مختصين, يفردونها هم أيضا فوق الأرصفة, في أماكن معروفة, مثل البرامكة وجرمانا ومخيم اليرموك, وهنا يرتفع الربح, مع ازدياد الكمية المباعة.
وعندما سألناه عن المخدرات والممنوعات أو السلاح أجابنا بحزم نافيا وجود مثل هذه المهربات, معللا ذلك بأن سكان القري لايعملون بالحرام, ولكن هناك أناسا آخرين ليسوا من قرانا يمتهنون تهريب الأسلحة والمخدرات نحن لا تربطنا أي بهم صلة. بينما لا يعتبرون أن تهريب المواد حرام كما تهريب الأشخاص الذين في مساعدتهم إغاثة للملهوف. ومن ناحية عدم اعترافهم بالإجراءات المتشددة التي تفصل بين أبناء قري واحدة بحدود مصطنعة.
وكما ذكرت فإن خيط البداية كان رقم هاتف لأحد العاملين في إنتاج المخدرات, وعقدت العزم علي أن أتابع المصدر بالرغم من تحفظات البعض وتخوفات البعض الآخر, علي خلفية ماترسخ في أذهاننا من خلال الحكايات المتداولة والتحذيرات التي صورت لنا صعوبة وتعقيدات وخطورة هذا العالم.
انطلقت في رحلة البحث عن مصادر تلك الزراعة والصناعة والتجارة الخطيرة, وعلي طريق بعلبك المسمي شعبيا بطريق الموت تهادت بنا السيارة وتقافزت أحيانا بفعل مطبات الطريق الصناعية, والأخري الناتجة عن غياب الصيانة المفترضة علي هذا الطريق الحيوي.
وكان أول مالفت انتباهي تلك المساحات الشاسعة من الأراضي البور علي جانبي الطريق ولم يشفع لتلك الأراضي لونها الأحمر الذي ينبئ عن قوة خصوبتها.
وعلمت أن بوار تلك الأراضي يرجع في أحد أسبابه إلي أنها كانت إلي وقت قريب مكانا لإنتاج القنب الهندي, وربما احتجاجا علي ضغط أجهزة الدولة كان البور الطوعي ويرجع هؤلاء السبب إلي أنهم توارثوا زراعة القنب الهندي أو المشيت عبر الأجيال وأنه الأكثر ملاءمة للظروف المناخية ولشح المياه. ما يجعله أكثر المحاصيل مواءمة اقتصاديا.
وفي الطريق أشار مرافقي إلي ضيعة بريتال التي تختبئ في حضن الجبل فكانت ملجأ المطلوبين للعدالة ويمكن القول ـ طبقا لمحدثي ـ إن كل سكانها من المطلوبين الممارسين لكل النشاطات المخالفة للقانون من تزوير محررات و سرقة إلي الإتجار في الممنوعات.
وفي الطريق كانت الأقواس التي تحمل شعارات وطنية ودينية لحركة أمل وحزب الله من قبيل القدس عاصمة الأرض والسماء وإسرائيل ستزول حتما ولم يخل الأمر من قوس يحمل مقولات للإمام الخميني من لم يشارك في يوم القدس ليس بمسلم, وتوقفت لبعض الوقت أمام مستشفي دار الحكمة الذي حظية بشهرة العام الماضي إبان العدوان الصهيوني علي لبنان, عندما أعلن قادة العدو أن قواتهم قامت بعملية إنزال ناجحة استطاعوا خلالها اعتقال عدد من قيادات حزب الله. ومن بينهم شخص يحمل اسم أمين عام الحزب. وبعد سويعات قليلات تم الكشف عن الوهم الذي وقع فيه قادة العدو, وكشف لي مرافقي عن أن تلك المنطقة شهدت وسائل متعددة في خداع العدو استخدمت فيها مواسير المياه الضخمة للإيحاء لطائرات العدو أنها قاذفات صواريخ, فصب عليها الكثير من أدوات دماره.
وفي الطريق مررنا بقري ذات أغلبية شيعية وأخري سنية وتجاورها قري ذات أغلبية مسيحية, واللافت للنظر أن المزارعين في هذه المنطقة يختلفون في ولاءاتهم السياسية والطائفية وحتي العشائرية, وهناك خلافات كبيرة بينهم وأعمال ثأر أيضا, وعلي الرغم من ذلك فإن الهم المعيشي والحالة الاقتصادية المزرية جمعتهم, فقرروا أن يتخطوا صراعاتهم ويتفقوا علي مواجهة القوي الأمنية موحدين في حال حاولت إتلاف موسمهم الزراعي المحظور. وقد دفع هذا الواقع بأحد الظرفاء إلي التقدم باقتراح لحل الأزمة اللبنانية, يقوم علي أساس إرسال الزعماء والقادة المتصارعين علي الساحة السياسية إلي سهل البقاع للعمل في زراعة الحشيشة, علهم يجدون هناك الحل لخلافاتهم وللأزمة السياسية التي تعصف بلبنان اقتداء بما فعله مزارعو منطقة البقاع.
وتتلاقي آثار العدوان الهمجي لآلة الحرب الإسرائيلية مع الغياب شبه الكامل للدولة اللبنانية عن تلك البقعة الغالية من أرض لبنان, التي تمثل المخزن الذي لاينضب لشباب المقاومة, والشباب الذي ثار علي الأوضاع المغلوطة في لبنان, فلجأ إلي الاعتصام في وسط العاصمة تعبيرا حضاريا عن شعارات الإصلاح السياسي والاجتماعي التي تطرحها قوي المعارضة.
في سهول الهرمل كان السؤال: هل غياب الدولة ومشاريع التنمية عن تلك المناطق كان عن سبق إصرار وترصد؟ وهل هناك تعمد لأن تظل زراعة الحشيش علي الرغم من المعونات الأمريكية التي تحصل عليها الدولة اللبنانية وتذهب دون برامج تعود بالنفع علي المزارعين؟
ويتساءل هؤلاء عن السبب وراء حماسة أجهزة الدولة في إتلاف زراعتهم وفي المقابل تفتح الأبواب مشرعة أمام دخول كميات هائلة إلي لبنان من الحشيش الأفغاني والمخدرات بجميع أنواعها؟
إن تلك القري المحرومة من أبسط حقوقها يتحمل وجوه أهلها بؤسا وشظف عيش تمثل وقودا لثورة محرومين متجددة!!
’رسم الحدث’,' شعث’,' دير الأحمر’,' النبي عثمان’, تعددت الأسماء والهم واحد, بؤس وشقاء علي وجوه الناس, ومنطقة تفتقر إلي أبسط مقومات الحقوق لدي الدولة.
وعبرنا نهر العاصي حيث تتكاثر علي جانبيه المطاعم وأمامها تقف عربات العرنوس أي الذرة المسلوقة أو المشوية, وفي مدخل الهرمل وفوق بناء أسمنتي ترقد دبابة إسرائيلية شاهدا علي الهزيمة النكراء التي منيت بها القوات الصهيونية واندحرت علي إثرها من الأراضي اللبنانية عام2000 وبعدها بخطوات تطالعنا لوحة كبيرة خط عليها مشروع تأهيل مدخل الهرمل ممول من حكومة السويد وبإشراف برنامج الأمم المتحدة الإنمائي وأعتقد أن أهالي الهرمل الذين اتسموا بالكرم سيطول انتظارهم لتحقيق ماسطرته حكومة السويد علي اللوحة الرخامية.
وعلي أحد مداخل الهرمل التقيت المصدر الذي سبق أن اتفقت معه عبر الهاتف من دمشق, وقذف شروطه في وجوهي. وبالرغم من معارضة مرافقي لتلك الشروط التهويلية إلا أنني آثرت أن أستمر في المغامرة إلي نهايتها مهما كان الثمن, وأخبرنا بأن المنطقة التي سنتوجه إليها خارج نطاق التغطية لكل شركات الهاتف النقال.
علي ناصر الدين الذي اطمأن لنياتنا واصطحبني إلي منطقة جرود الهرمل حيث تنتشر زراعات القنب الهندي الحشيش وقاد السيارة عبر دروب ملتوية وضيقة,ووضح لي أن مرتادي تلك الطريق يعرفون بعضهم البعض ولا مكان لغريب بينهم,وشرح علي كيف أنهم مجرد مزارعين صغار يعانون من شظف العيش. وأشار إلي البيوت في وادي شربين التي يقطنونها والتي تعكس تدني مستوي معيشتهم, وأكد أن المجتمع الخرافي الذي يستقر في أذهاننا وأذهان كتاب السينما والرواية يمثل فقط مجتمع التجار, بينما المزارعون لا يحصلون سوي علي هامش ربح ضئيل بالكاد يوفر لهم ولأبنائهم حياة بعيدة عن العوز والسؤال.
كل ألوان الطيف السياسي تجد مكانا لها بين عائلات جرود الهرمل في جبال القيقب والنعناعة وعين البعجة وربما كان غياب الدولة وفقر التنمية دافعا للثراء السياسي الذي تعيشه تلك المناطق,فهناك حضور لحركة أمل وحزب الله والحزب الشيوعي وحزب البعث والقومي السوري. والتحق بالدليل الذي اصطحبني شبان من عائلة علاوة وعلام وغيرهم وشدد ناصر الدين علي أن أهالي المنطقة يزرعون العديد من المحاصيل الزراعية, فالمنطقة تشتهر بأشجار اللوز وأشجار السنديان التي تقف صامدة في وجه الظروف المناخية الصعبة, وأهالي المنطقة يكسرون عظام أشجار السنديان ليتحصلوا منها علي بعض النقود لتسد رمقهم أو تساعدهم علي شراء جالون من المازوت المهرب من الأراضي السورية, والمازوت مادة شديدة الأهمية لأناس يعيشون في منطقة تشهد ثلوجا مايزيد علي أربعة أشهر في العام.
وتحدث ناصر الدين بحسرة عن البئر الوحيدة في المنطقة التي بدأ العمل فيها منذ عشر سنوات والطرق الفقيرة التي ظلت علي حالها منذ بدأ في شقها فؤاد شهاب وتناساها من تعاقب علي حكم لبنان, لأنهم لا يملكون الرؤية الوطنية والإستراتيجية ربما التي كانت تحكم زعيم الاستقلال الوطني.. وعندما يذكر فؤاد شهاب فإن مرحلة مهمة من تاريخ لبنان تقفز إلي ذاكرتي, ولكن ذاكرة زارعي القنب لها رأي آخر فهي تبحث في تاريخ دخول زراعة الحشيش إلي لبنان وكيفية زراعته والأوقات الأنسب لزراعته.
ولا يفوتني أن أذكر أن ناصر الدين توقف في وسط الطريق وطلب مني الترجل والنظر علي يميني حيث لوحة من آثار الملك والقائد البابلي الفذ نبوخذ نصر تعاني من إهمال الدولة وكذلك السكان, حيث وجدت كتابة تسجل علاقة شاب بفتاته, هل كان يعي هذا الشاب أهمية تلك اللوحة أم أنه أراد أن يعلن احتجاجه علي تاريخ لم يبق منه سوي أثر لا يسمن ولا يغني من جوع.
ولما لاحظت أن لمرافقنا اهتماما بالتاريخ, فسألته مداعبا: هل لديك معرفة بتاريخ زراعة الحشيش في لبنان؟
فبادرني بالإجابة قائلا: فتختلف الآراء حول تاريخ ظهور هذه الزراعة منهم من يقول إن الجيش الإنجليزي نقلها من الهند إلي مصر وعندما وجدوا في لبنان المناخ المناسب لزراعته اختصروا المسافات وانتقلت الزراعة إلي لبنان, وبعض الأحاديث الشعبية تقول إن رجلا أتي بها من أوروبا داخل عصا مجوفة, فانتشرت البذور وبدأ الناس بالزراعة. وتطورت هذه الزراعة ومرت بمراحل تقدم وتراجع حسب القرار المركزي في بيروت وحسب أوضاع الناس الاجتماعية والاقتصادية في منطقة بعلبك الهرمل وبعد الحرب الأهلية عام1975 وغياب السلطة المركزية والسلطات الأمنية من المنطقة انتشرت هذه الزراعة وتطورات أكثر مع تردي الحالة الاقتصادية في المنطقة, وعمت جميع المناطق في منطقة بعلبك الهرمل وانتشرت إلي البقاع الغربي وحتي إلي مناطق أخري من جبل لبنان وعمت الفوضي, وتمت زراعة الحشيشة في كل مكان حتي بقرب المباني الحكومية, وفي بداية الثمانينيات أدخلت إلي جانب زراعة الحشيش زراعة الأفيون ما يعرف علميا باسم(Popoversomniferous) وسارت بشكل متوازن مع زراعة الحشيشة, الحشيشة كانت تزرع في الموسم الصيفي والأفيون كان يزرع في المواسم الشتوية, وأصبحت دورة الزراعة في منطقة بعلبك الهرمل مرتبطة بشكل مباشر بزراعة الحشيشة.
واصطحبنا ناصر الدين إلي أحد البيوت المتناثرة في سهول المنطقة لمتابعة زراعات الموت. واستقبلني في البيت الريفي المتواضع والمحروم من المياه والكهرباء رجل عجوز لم يخف البؤس والشقاء روحه المتفائلة والقنوعة, وأما زوجته فهي امرأة لم يستطع البؤس أن يخفي بقايا جمال يشع من وجهها البشوش. وأصرا علي أن نتناول معا الطعام الذي اقتصر علي خبز وجبن ولبنة صنعتها بيدها, وكم كانت تلك المائدة غنية وعامرة بمحبة وبساطة أهلها الذين تمنوا أن تساعدهم الحكومة علي أن يعيشوا حياة كريمة بلا مطاردة ولا نظرة ازدراء وهم جاهزون للمساهمة بسواعدهم العتية في تنمية مناطقهم, ويخضرونها بالمنتجات الزراعية التي يحتاجها الشعب اللبناني وصولا إلي الاكتفاء الذاتي.
وتمني علي جعفر علي الحكومة أن تنفذ برنامج الزراعات الإستراتيجية من ضمن مشروع الزراعات البديلة مثل زراعة الجوز التي كانت مشهورة بمنطقة بعلبك الهرمل وخصوصا في مناطق الهرمل علي نهر العاصي وذلك في إطار تأمين دخل متوسط الأمد للمزارع بانتظار الأشجار الإستراتيجية الثانية والتي تتضمن زراعة الفستق الحلبي, وزراعة البندق, زراعة الكستناء وزراعة الجوجوبا, إلي جانب هذه الزراعات الإستراتيجية.
وأشار إلي أن الدولة تتقاعس في تنفيذ هذا البرنامج كما تماطل فيما أعلنت عنه من إدخال لزراعات سريعة كزراعة الزعفران, والكافور, والجويولا الصناعية, والكانولا, بمعني وجود مجموعة متكاملة من الزراعات تأخذ بعين الاعتبار الأوضاع الاقتصادية والجغرافية والبيئية في منطقة بعلبك الهرمل.
التوترات الأمنية المتلاحقة تزامنت مع إخفاق البرامج الحكومية في تعزيز زراعة المحاصيل وفشل الأمم المتحدة بتنفيذ الوعود الدولية مما جعل من الصعب أن يتخلي أهالي تلك المناطق عن زراعة الحشيشة, هذا ما أكده أبوعلي, وأرجع انتشار الزراعات هذا العام بكثافة إلي انشغال القوي السياسية بالصراعات علي السلطة وانشغال الجيش بمواجهات نهر البارد.
وأكد أبو علي أن غالبية عوائل البقاع اللبناني كانت تعيش تحت الحد الأدني المطلوب وزراعة الممنوعات أمدتهم بالحياة لفترات طويلة, غالبيتهم لم يبنوا القصور ولم يتحولوا إلي أصحاب مال بل انتقلوا إلي الحياة العصرية وكان المستفيد الأكبر هم التجار الذين قاموا بالتصدير إلي الخارج.
لكن هل مازالت هناك آذان صاغية للحكومة يمكن أن تصغي للغالين من أبناء لبنان المحرومين من أبسط الحقوق. ويطلب منهم مايثقل كاهلهم من الواجبات.
انظر حولي فلا أجد سوي آذان لبغل يصغي بإمعان ويعي مانقول فهل لم يبق سواه أمل ورجاء.*
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : مقالات (الاهرام العربي) | السمات:مقالات (الاهرام العربي)
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج



























