; post_id = 584230; sck = 'a01a8c639226793e44abbc39bed76084';

سوريا تواجه مفرمة الضغوط

كتبها------------------------- إلهامي المليجي -------------- ، في 21 أكتوبر 2007 الساعة: 08:25 ص

صدى سوريا نقلا عن الاهرام العربي : كتب إلهامي المليجي 

تداعيات الغارة الإسرائيلية قبل أكثر من شهر علي شمال سوريا لا يمكن القول إنها قد انتهت‏,‏ ولا يمكن اعتبار الحادثة مرت وانتهي تأثيرها‏,‏ فخيوط المسألة مازالت معقدة ومتشابكة ومازالت الأهداف والدوافع والردود والتبعات ضبابية تماما‏.‏

الجانب الإسرائيلي ورغم أنه اعترف أخيرا بالغارة بشكل رسمي‏,‏ لم يوضح بعد أي معلومة عن الهدف والتوقيت وعن كيفية اتخاذ القرار وماهية العملية ونتائجها‏,‏ وإن كانت تسريباته المتضاربة تحدثت في أكثر من رواية‏,‏ من بينها ضرب منشأة نووية أعدت بالتعاون مع كوريا الشمالية‏,‏ أو ضرب شحنة أسلحة متجهة إلي حزب الله‏.‏ إلا أن هذه الروايات كلها لم تأت بشكل رسمي‏,‏ بل إن الأغرب أن أيا منها لم يصدر من داخل إسرائيل وإنما جاء علي لسان الخارجية الأمريكية أو شخصيات إسرائيلية من خارج إسرائيل‏.‏

أما علي الجانب السوري فقد عد ما جاء في الحوار الذي أدلي به الرئيس السوري بشار الأسد لقناة الـ بي بي سي الأمريكية حسما للأقاويل المتضاربة حول ما ضرب في سوريا‏,‏ وأن المبني كان مبني عسكريا ولكنه قيد الإنشاء وغير مستخدم وليس فيه أي شيء مهم للاستهداف‏.‏ وأضاف الأسد أنه لو كان فعلا مبني نوويا كما يدعون فكيف لا تكون له حماية جوية؟ ثم كيف لا يقع في العملية أي قتيل ولا يحدث أي تسرب نووي؟ إذن فالقضية إعلامية تبريرية فحسب وهذه الطريقة في الحملات الإعلامية أصبحت مكشوفة جدا بعد أن استخدمت لتبرير الحرب علي العراق‏.‏

وبين هذا وذاك تحدث الكثير من المصادر الأمريكية والإسرائيلية عن أن الهدف من الضربة كان توجيه رسالة معينة لسوريا وإيران‏,‏ وأن هذه الرسالة لربما وصلت للرئيس السوري بشار الأسد‏,‏ وأن عليه الآن أن يرد‏,‏ أما الأسد فأكد أنه لا يعرف سبب الغارة ولم يتلق منها إلا رسالة واحدة قديمة جديدة‏,‏ وهي أن إسرائيل لا تريد السلام وأن سوريا سترد علي انتهاك سيادتها بكل الوسائل الممكنة‏,‏ وإن كان قد قال ليس من الضروري أن نرد علي الصاروخ بالصاروخ‏,‏ إلا أنه لم يستبعد الخيار العسكري كحل أخير‏.‏

مع كل هذه المعطيات لا شيء يدعو للتفاؤل بانفراج قريب علي مسار السلام السوري الإسرائيلي‏,‏ وربما لن نري مشاركة سوريا في مؤتمر السلام الذي دعا إليه الرئيس الأمريكي جورج بوش في الخريف‏,‏ فعلي الرغم من أن سوريا أكدت أنها تلقت دعوة رسمية من الولايات المتحدة الأمريكية لحضور المؤتمر‏,‏ إلا أنها أكدت أنها لن تحضر ما لم تكن لها مصلحة حقيقية في مؤتمر كهذا‏,‏ ومصلحتها حين تتوافر نية حقيقية لدي الجانب الأمريكي والإسرائيلي لحل عادل ونهائي لاحتلال إسرائيل لهضبة الجولان السورية‏.‏ وهذا أمر ليس مطروحا حتي الآن علي أجندة مؤتمر السلام المزمع عقده‏,‏ وليس واضحا في نيات إسرائيل‏.‏ وإن كان العديد من الأوساط السياسية والصحفية تناقلت أن هناك محاولة وساطة إيطالية بين سوريا وإسرائيل‏,‏ وذلك بعد زيارة فاروق الشرع نائب رئيس الجمهورية في سبتمبر الماضي لروما‏,‏ والتي تلتها زيارة لرئيس إسرائيل شيمون بيريز‏,‏ إلا أنها تشير إلي أن هذه الوساطة ربما فشلت وربما كانت الضربة الجوية التي جرت نتيجة لهذا الفشل‏,‏ خصوصا أنها جاءت بعد أن صرح بيريز بأن السلام مع سوريا ليس بقريب‏.‏

ورغم أن الوساطة التركية لم تتوقف‏,‏ وآخر محاولاتها إيفاد وزير الخارجية علي باباجان في جولة إلي كل من سوريا والأردن وفلسطين‏,‏ يلتقي فيها الرئيس الأسد ومسئولين إسرائيليين‏,‏ إلا أنها لم تعد حتي الآن بأي نتاج حقيقي‏.‏

ومثلها تلك الرسالة الإيجابية جدا التي قيل إن وزير الخارجية الأسباني ميجل موراتينوس يحملها من الرئيس السوري إلي القيادات في إسرائيل‏.‏

فالقيادة في إسرائيل ومن خلفها الإدارة الأمريكية تثبت يوما بعد يوم أنها غير قادرة بحق علي المضي قدما في مشروع سلام حقيقي‏,‏ وأنها إدارة ضعيفة تمتلك الإرادة لإشعال الحروب ولا تمتلك الشجاعة لصنع السلام‏.‏

ولاشك أن سوريا أكثر من يدرك ويتحدث بهذا الكلام‏,‏ لذا فمن حقها الطبيعي أن تتحضر لكل السيناريوهات الممكنة والتي يمكن أن تختلف بين ضربات جوية أو اشتباكات حدودية ونهاية بحرب شاملة بينها وبين إسرائيل‏.‏

خصوصا مع وجود ثلاث فرق تجري مناورات عسكرية واسعة في الجولان السوري المحتل‏,‏ وتحفر الخنادق وتقيم السواتر الترابية وبشكل متسارع وملحوظ وبشهادة القوات الدولية علي الحدود الفاصلة هناك‏.‏

وإن كانت الصحافة الإسرائيلية أول وأكثر من يتحدث عن التحضيرات السورية في المجال العسكري خصوصا في مجال منظومة الدفاع الجوي والبحري والتعاون في ذلك مع روسيا‏,‏ وكذلك في مجال صواريخ أرض ـ أرض‏,‏ والكلام عن التطور الكبير في قدرتها التدميرية ودقتها في استهداف المواقع‏,‏ وإمكانية إمطار كل نقطة في إسرائيل بوابل من الصواريخ‏.‏

فإنها لم تغفل عن التحضيرات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي لا تقل أهمية عن التحضير العسكري‏,‏ والحقيقة أن سوريا وفي السنوات الأخيرة استطاعت أن ترسخ تحالفاتها الإقليمية وتحسن من اختيارها الإستراتيجية تحضيرا لأي حرب أو عمل عسكري‏.‏

فهاهي إيران الحليف الأول والأهم لسوريا تعلن موقفا حاسما تجاه الانتهاك الإسرائيلي‏,‏ وتبدي جاهزيتها للرد علي أي اختراق آخر للأجواء السورية بصواريخ شهاب‏3‏ و‏600‏صاروخ موجهة إلي أهم المواقع الحيوية ومنها مفاعل ديمونة كأول رد فعل علي أي تهديد إسرائيلي‏.‏

وعلي الجانب التركي‏,‏ ورغم أن التطور الكبير الذي شهدته العلاقات السورية التركية بدا مهتزا بعد الغارة الأخيرة ودخول الطائرات الإسرائيلية وخروجها من المجال الجوي التركي‏,‏ بل وبعد ذلك رفض القيادات العسكرية التركية تقديم معلومات عن هذه الغارة لضباط إيرانيين‏,‏ إلا أن ذلك لا يمكن أن ينسف التحسن الملحوظ في علاقة الجوار بين البلدين‏,‏ والتقارب الكبير علي الأقل علي المستوي الحكومي بعيدا عن مؤسسة الجيش التركي التي مازالت ملتزمة باتفاقية التعاون بينها وبين إسرائيل‏.‏

وأما علي المستوي الأوروبي‏,‏ فإن لرحيل شيراك وعودة الحوار مع فرنسا ـ وإن بشكل بطيء ـ والتطور الملحوظ في العلاقات مع أسبانيا‏,‏ كل ذلك أعاد لسوريا علاقاتها السياسية مع الاتحاد الأوروبي‏.‏

وكذلك لا ننسي الدور الروسي الذي بدأ يبرز من جديد بعد الخلافات التي نشأت مع الولايات المتحدة حول درعها الصاروخي‏,‏ وعودة ما يشبه الحرب الباردة‏,‏ وبحث روسيا من جديد عن حلفائها القدامي لوقف المد الأمريكي‏,‏ ولا شك أن سوريا بموقعها المحوري في المنطقة والعلاقات القديمة مع الاتحاد السوفيتي تعد من أهم الحلفاء‏,‏ ما أدي إلي عودة العلاقات وبوتيرة أفضل وخصوصا بعد تصفية مسألة الديون واتفاقيات التعاون وصفقات الأسلحة التي تم بعضها رغم الضغوط الكبير لمحاولة منعها من قبل أمريكا وإسرائيل‏,‏ وربما كان تتويجا لذلك الموقف الحاسم الذي صدر عن القيادة الروسية في شجب الانتهاك الإسرائيلي الأخير‏.‏

وأما علي الصعيد العربي‏,‏ فلاشك أن كل التركيز السوري الآن منصب علي القمة العربية المزمع عقدها في دمشق‏,‏ حيث يعتبر نجاح هذه القمة نصرا سياسيا كبيرا لدمشق وخطوة مهمة نحو رأب الصدع ولملمة الخلافات العربية‏,‏ ورغم أن التحضيرات السورية لاتزال مستمرة منذ مايقارب العام محاولة لإنجاح هذه القمة وضمان عقدها في دمشق‏,‏ إلا أن هناك الكثير من المخاوف من نقلها إلي مكان آخر أو ظهورها بمظهر باهت بعد تغيب أو ضعف تمثيل دول أساسية ومحورية في المنطقة‏,‏ علي خلفية خلافات ظاهرة أو باطنة‏,‏ الأمر الذي تسعي سوريا بكل جهودها السياسية والدبلوماسية إلي تفاديه‏.‏ وظهر ذلك جليا من خلال التعامل السوري مع الأزمة الإعلامية الأخيرة التي نشبت مع المملكة العربية السعودية وعدم الرد علي الهجوم الذي شنته علي مدي أيام صحف سعودية علي المواقف السورية خصوصا علي تصريحات نائب الرئيس السوري فاروق الشرع‏,‏ والرغبة السورية الواضحة في حل الموضوع بشكل أخوي وبمساعدة عدة وساطات عربية لعودة العلاقات السورية السعودية إلي المسار الصحيح‏.‏

وكذلك من عودة لجنة التنسيق السورية ـ الأردنية لحل الخلافات الحدودية‏,‏ ومحاولة إعادة تحسين العلاقات بين البلدين‏.‏

وفي الملف اللبناني شددت سوريا علي عدم رغبتها في أي تدخل في خيارات الشعب اللبناني‏,‏ ورغم الاتهامات التي عادت لتطولها بعد حادث الاغتيال الأخير للنائب أنطوان غانم‏,‏ إلا أنها أكدت براءتها بل واستنكارها لهذا العمل الإرهابي‏,‏ إذ لا مصلحة لها من الاغتيالات التي تتم في لبنان طالما هي المتهم الوحيد وأنها علي العكس أكثر المتضررين‏,‏ وهي ملتزمة وتدعم ما يجمع عليه اللبنانيون‏.‏وإن وفق اللبنانيون في الوصول إلي رئيس توافقي تكون خطوة كبيرة نحو الاستقرارفي لبنان ما ينعكس علي الاستقرار السياسي السوري‏.‏

ولاشك أن مجمل الواقع السياسي السوري في السنوات الأخيرة كان له أثره علي الداخل السوري‏,‏ وتعد اللحمة الشعبية وتماسك الجبهة الداخلية العنصر الأهم في التحضير لصد أي مخطط إسرائيلي‏,‏ فعلي صعيد التأييد الشعبي والالتفاف الجماهيري حول الأسد‏,‏ ذكر تقرير لصحيفة هاآ رتس أنه‏’‏ كقاعدة‏,‏ للأسد شعبية بما فيه الكفاية‏’,‏ مقدرين أنه‏’‏ يسيطر وسيواصل السيطرة من دون منازع لفترة طويلة أخري‏’,‏ وردوا ذلك إلي ازدياد الثقة الشعبية فيه بعد خروجه من الأزمات واحدة تلو الأخري‏,‏ حيث ذكرت الصحيفة أنه‏’‏ رغم أن الأسد واجه خلال سبع سنوات من حكمه رئيسا لسوريا‏,‏ أوقات أزمة غير قليلة‏,‏ يبدو أنه خرج من كل الأزمات معززا‏…‏ بعد الأزمة‏,‏ يأتي الفرج‏.‏ الأسد يخرج قويا منها‏’,‏ وبذلك ازداد الحب الجماهيري له والثقة فيه‏.‏

ورغم الضائقة الاقتصادية التي بدأ يعاني منها الشعب السوري خصوصا بعد استضافة ما يزيد علي مليون ونصف المليون لاجئ عراقي وهجمة ارتفاع الأسعار التي صاحبت الشائعات التي ترددت عن سحب الحكومة الدعم عن المشتقات النفطية والتي تعد ذات أثر مباشر علي مختلف الصناعات‏,‏ عدا عن كونها تستخدم للتدفئة في الشتاء في كل منزل‏.‏

كان للإصلاحات الاقتصادية الأخيرة أثر كبير في تخفيف هذه الضائقة وخصوصا بعد عدول الحكومة عن قرارها رفع الدعم واستبداله باستخدام بطاقات ذكية لترشيد الدعم وحتي يصل لمستحقيه‏,‏ الأمر الذي أعاد للمجتمع السوري تماسكه ومناعته في وقت لا يحتمل فيه الوضع أي تصعيد أو توتر داخلي‏.‏

وبهذا تكون سوريا قد أتمت استعداداتها وأعدت ما استطاعت في مواجهة أي مخطط صهيوأمريكي‏,‏ ويبقي السؤال عما يخفيه لنا مؤتمر السلام المقبل ودوره في ولادة الشرق الأوسط الجديد‏*‏

 

  

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : مقالات (الاهرام العربي) | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر